أحمد بن محمد القسطلاني

140

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

غير موجب . وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوّل كتاب الإيمان عند قوله : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله " . ثم اعلم أنه : لا خلاف أن في قولك : قام القوم إلا زيدًا ، مخرجًا ، ومخرجًا منه ، وأن المخرج ما بعد إلا ، والمخرج منه ما قبلها . ولكن قبل إلاّ شيئان : القيام والحكم به . والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر . واختلفوا هل زيد مخرج من القيام أو من الحكم به ؟ والذي عليه محققو النحاة والفقهاء : أنه مخرج من القيام ، فيدخل في عدم القيام ، فهو غير قائم ، وقيل : مخرج من الحكم بالقيام فيدخل في عدم الحكم ، فهو غير محكوم عليه ، وهو قول قوم من الكوفيين ، ووافقهم الحنفية . فعندنا : أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي . وعندهم : أن المستثنى غير محكوم عليه بشيء ومن حجج الجمهور الاتفاق على حصول التوحيد بقوّلنا : لا إله إلا الله . وذلك إنما يتمشى على قوّلنا : أن المستثنى محكوم عليه ، لا على قولهم : إنه مسكوت عنه . فافهمه . قاله ابن هشام : ( وحده ) بالنصب على الحال أي : لا إله منفردًا وحده ( لا شريك له ) عقلاً ونقلاً . أما أوّلاً : فلأن وجود إلهين محُال ، إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلٍّ منهما قادرًا على كل المقدورات ، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد والآخر تسكينه ، فإما أن يقع المرادان ، وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين ، أو لا يقع واحد منهما ، وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما حصول مراد الآخر ولا يمتنع وجود مراد هذا إلاّ عند وجود مراد الآخر وبالعكس ، فلو امتنعا معًا لوجدا معًا وذلك محال ، لوجهين : الأول : أنه لما كان كل واحد منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر ، بل يستويان في القدرة ، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من الآخر ، إذ يلزم ترجيح أحد المتساوين من غير مرجح ، وهذا محال . الثاني : أنه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر ، فالذي يحصل مراد إله قادر ، والذي لا يحصل مراده عاجز ، فلا يكون إله قادر ، والذي لا يحصل مراده عاجز ، فلا يكون إلهًا . وأما ثانيًا : فلقوله تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 163 ] { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ } [ النحل : 51 ] { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ } [ الحديد : 3 ] . والأوّل : هو الفرد السابق وذلك يقتضي أن لا شريك له وهو تأكيد لقوله : وحده ، لأن المتّصف بالوحدانية لا شريك له . ( له الملك ) بضم الميم أي : أصناف المخلوقات ، ( وله الحمد ) زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة : يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير ( وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ) أي الذي أعطيت ( ولا معطي لما منعت ) أي : الذي منعته . وزاد في مسند عبد بن حميد من رواية معمر ؛ عن عبد الملك بن عمير ، بهذا الإسناد : " ولا رادّ لما قضيت " . وقد أجاز البغداديون ، كما نبّه عليه صاحب المصابيح ، ترك تنوين الاسم المطوّل ، فأجازوا : لا طالع جبلاً ، أجروه في ذلك مجرى المضاف ، كما أجرى مجراه في الإعراب . قال ابن هشام : وعلى ذلك يتخرج الحديث ، وتبعه الزركشي في تعليق العمدة ، قال الدماميني : بل يتخرج الحديث على قول البصريين أيضًا ، بأن يجعل مانع اسم : لا ، مفردًّا مبنيًّا معها ، إما لتركيبه معها تركيب خمسة عشر ، وإما لتضمنه معنى من الاستغراقية ، على الخلاف المعروف في المسألة . والخبر محذوف ، أي : لا مانع مانع لما أعطيت ، واللام للتقوية . فلك أن تقول : تتعلق ، ولك أن تقول : لا تتعلق . وكذا القول في : ولا معطي لما منعت ، وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف ، وحسنه دفع التكرار ، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع ، ولعل السرّ في العدول عن تنوينه إرادة التنصيص على الاستغراق ، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا . فإن قلت : إذا نون الاسم كان مطولاً ، ولا ، عاملة ، وقد تقرر أنها عند العمل ناصّة على الاستغراق . قلت : خص بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمن معنى : من الاستغراقية ، ولو سلّم ما قلته لم يعين عملها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النص على الاستغراق حاصلاً ، لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعل محذوف ، أي لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا ، فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال . اه - . ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) بفتح الجيم